انتشر مقطع من حلقة برنامج القصص و الناس H&H او des histoires et des hommes الذي تبثه القناة الثانية دوزيم ربما يرى الجمهور الذي شاهد الحلقة ان فيها تمردا على الاخلاق العامة و لو بتلك الحوارات البسيطة التي يصورها طاقم البرنامج و التي يعبر من خلالها مجموعة من المواطنين عن ارائهم بخصوص اللباس او الخمار لو شئا التحديد و كذلك الحريات الفردية.
لست من الذين يشاهدون التلفاز كثيرا و لا اعير عادة الاهتمام لموجات الاخبار "الساخنة" في نظر البعض التي تجتاح المواقع الاجتماعية، لكن مواضيع الحريات الفردية و الموطنة و الاخلاق اتحمس لها نوعا ما، ففي البداية رفضت ان اطلع علي اي فيديو حيث كانت لدي مشاغل اخرى شغلني عن الاهتمام بالخبر، لكنه يبدو خبرا غير عاديا ما دام الكثير من الاصدقاء نشروا عنه، و لما شاهدت المقطع بعد شوق و فضول، تبين لي انه مقطع عادي و لا يستحق كل هذه البهرجة و الصداع على مواقع الاخبار و الفيسبوك، فهو يظهر شبابا يتحدثون عن الحرية الفردية في اقامة العلاقات بين البالغين خصوصا الجنسية، و عبر شاب في تلك الحلقة المصورة ان الشرطة المغربية تهدد كل من وجدته يقبل حبيبته في حديقة عمومية و قد تعتقلهما الى المخفر لتحرر محظرا في حقهما، و هذا ما يستنكره اولائك الشباب داعين الى احترام الحريات الفردية ما دام الاشخاص غير قاصرين و يتحملون المسؤولية، هذه اللقطة البسيرة استهجنها الكثير من المغاربة.
و السبب يعود كالعادرة الى الالة الاعلامة التي يمتكلها الاسلاميين بمختلف تلاوينهم سواء كانوا اعضاء حزب العدالة و التنمية او السلفيين، و يستعملونها في تجييش الرأي العام و جعله يعاني التناقض مع ذاته، فكل المغاربة يخرجون في مواعيد غرامية اليس كذلك؟ هل سيخرج نفس الاشخاص و يطالبون بتريم العلاقات الغرامية بين الاشخاص ؟ و من هناك الى تجريم خروج المرأة من المنزل بدون محرم كما تفعل السعودية ؟
ان معظم الشباب المنخرطين في هذه الحملة تحت يافطة الدين و الاخلاق لا يعملون انهم ينفذون ما يبدأه و يخططه الاسلاميون و يستعملون مصطلحاتهم المستهلكة، فيكفي للمغربي ان يسمع لفظة فساد تطلق على شيء ما حتى يستهجنه، فالجميع لا يحب الفساد صراحة، لكن هل العلاقات الغرامية تعتبر فسادا ؟ اذا كان الامر كذلك فالاغلبية الساحقة من المغاربة مفسدين اذن، و لا داعي ليعطوا دروسا في الاخلاق كما يفهمونها لبعضهم البعض.
الى درجة ان تجد فتاة غير متحجبة و تظهر ثنايا جسدها في لباس قصير و تضع احمر الشفاء و تتزين لغر زوجها و تتبرج تقف في صف مع القطيع، دون ان تتسائل لماذا، فالأمر كان سيكون عاديا جدا كما هو في المجتمع، لكن احتقان مشاعر المواطنين تجاه الاعلام عامة لكونه لا ينقل معاناتهم، ساعد على نشر هذا الخطاب المتطرف باسم حماية الدين و "اخلاق المغاربة" ، بل انهم يعانون فقرا شديدا في فهم الاخلاق، فالاخلاق ينبغي ان تكون نابعة من القناعة و التجارب اليومية لا من الخوف، فعدم القيام بالشيء بسبب الخوف من جهنم ليس اخلاقا بقدر ما يعزز الكبت و الاحتقان الاجتماعي.
المهم في حياة المواطنين هو الا يكون هناك تناقض بين اقوالهم و افعالهم، و يحذروا و ينتبهوا للخطاب الاسلامي المتطرف الذي يتستر بمفاهيم الاخلاق و الدين لزيادة الكبت في المجتمع و عزله عن بقية العالم و قيادته الى مستنقع التعصب الديني الذي سيأتي ذات يوم، اذا سمحنا له بتصرفاتنا وجهلنا، و يجرم على المرأة الخروج من المنزل لوحدها و يفرض النقاب على كل النساء.